عبد القاهر الجرجاني

293

دلائل الإعجاز في علم المعاني

وقد رابني وهن المنى وانقباضها * وبسط جديد اليأس كفّيه في صدري ليس المعنى على أنه استعار لفظ " الكفين " لشيء ، ولك على أنّه أراد أن يصف اليأس بأنه قد غلب على نفسه ، وتمكّن في صدره . لو ما أراد ذلك وصفه بما يصفون فيه الرجل بفضل القدرة على الشيء . وبأنّه ممكّن منه ، وأن يفعل فيه كلّ ما يريد ، كقولهم : " قد بسط يديه في المال ينفقه ويصنع فيه ما يشاء " ، و " قد بسط العمل يده في الناحية وفي ظلم الناس " ، فليس لك إلّا أن تقول : إنه لما أراد ذلك ، جعل لليأس " كفّين " ، واستعارهما له ، فأمّا أن توقع الاستعارة فيه على " اللفظ " ، فما لا تخفى استحالته على عاقل . والقول في " المجاز " هو القول في " الاستعارة " ، لأنه ليس هو بشيء غيرها ، وإنما الفرق أنّ " المجاز " أعمّ ، من حيث أن كلّ استعارة مجاز ، وليس كلّ مجاز استعارة . وإذا نظرنا من " المجاز " فيما لا يطلق عليه أنه " استعارة " ، ازداد خطأ القوم قبحا وشناعة . وذلك أنه يلزم على قياس قولهم أن يكون إنّما كان قوله تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ يونس : 67 ] ، أفصح من أصله الذي هو قولنا : " والنهار لتبصروا أنتم فيه ، أو مبصرا أنتم فيه " ، من أجل أنه حدث في حروف " مبصر " بأن جعل الفعل للنّهار على سعة الكلام وصف لم يكن . وكذلك يلزم أن يكون السبب في أن كان قول الشاعر : [ من الرجز ] فنام ليلي وتجلّى همّي " 1 " أفصح من قولنا : فنمت في ليلي أن كسب هذا المجاز لفظ " نام " ولفظ " الليل " مذاقة لم تكن لهما . وهذا مما ينبغي للعاقل أن يستحي منه ، وأن يأنف من أن يهمل النّظر إهمالا يؤدّيه إلى مثله ، ونسأل اللّه تعالى العصمة والتوفيق . وإذ قد عرفت ما لزمهم في " الاستعارة " و " المجاز " ، فالذي يلزمهم في " الإيجاز " أعجب . وذلك أنه يلزمهم إن كان " اللّفظ " فصيحا لأمر يرجع إليه نفسه دون معناه أن يكون كذلك موجزا لأمر يرجع إلى نفسه . وذلك من المحال الذي يضحك منه ، لأنه لا معنى للإيجاز إلّا أن يدلّ بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى ، وإذا لم تجعله وصفا للّفظ من أجل معناه ، أبطلت معناه ، أعني أبطلت معنى الإيجاز .

--> ( 1 ) راجع ص ( 197 ) هامش ( 1 ) .